الوحدة الثانية، وتتناول الجــــــزائر مـــــــا بـــين 1945-1989. درسها الثاني العمل المسلّح و ردّ فعل الاستعمار، يبدأ من سنة 1954 باندلاع الحرب التحريرية. متّبعة أسلوب حرب العصابات، مع دمجه بالحوار السياسي استمرّ إلى عام 1962 لتحقّق الاستقلال. الدرس الثاني: العمل المسلّح و ردّ فعل الاستعمار 1954 - 1962.

الوضعية الثانية: العمل المسلّــــــــــــــــــــح ورد فعل الاستعمار
الإشـكـالـية: الحركة الوطنية الجزائرية بين خيار استمرارية العمل السياسي وحتمية العمل المسلّح
عناصر الاشكالية:
- الـمـحـطـــــــــــات الــــــــرئـيــســــيـة لانـــــــدلاع الثــــــــــورة.
- اسـتــراتـيـجـــــــية تـنـــفـيذ الثـــــــورة داخـــلـيا وخــــارجـيا.
- ردّ فعل واســتـراتـيـجـيــات فـــرنسا لـلـقـضــاء على الثورة.
- فشل المخططات الفرنسية و نجـــــــــــــــــــــــــــاح الثورة.
- مفـــاهــــيم مـصـطـلـحـــــات و شـخـصـيــات الــوضـعية.
- الـــــــتـــقـــــويــــــــــــــــــم الــــمـــــــــــــرحــــــــــــــــــــــــــــــــــلي.
<><>1 ـ المحطات الرئيسية لاندلاع الثورة:
- انشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل في 23 مارس 1954.
- تشكيل لجنة 22 في 25جوان 1954، إثر اجتماع بحي المدنية بالجزائر العاصمة تراسه مصطفى بن بولعيد، والتي انبثقت عنها لجنتي الستة والتسعة.
- اجتماع 23 اكتوبر 1954 للجنة الستة، بالرايس حميدو بالعاصمة، وعلى أثره تقرر: تسمية تنظيمين لقيادة الثــورة جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني، تحديد تاريخ اندلاع الثورة المسلحة، واعداد بيان الثورة.
- اعداد بيــــــــــان أول نوفمبر، والذي شرحت فيه أسباب الثورة، وسائلها وأهدافها.
2 ـ استراتيجية ومسار الثورة على المستوى الداخلي والخارجي:
لقد اتبعت الجزائر استراتيجية مزدوجة (كفاح مسلح وكفاح سياسي) على المستويين الداخلي والخارجي بهدف ارهاق الجيش الفرنسي وفضح سياستها على المستوى العالمي وضرب العدو في عقر داره ليدرك المعنى الحقيقي في التعدّي على الشعوب.
أ ـ استراتيجية الثورة على المستوى الداخلي:
الاستراتيجية السياسية (الدعاية والإعلام):
1- التعبئة الشعبية:
- السعـي لتوعية الشعب للالتحاق بالثورة وذلك عن طريق: الاعلام بإصدار (بيان أول نوفمبر)، جريدة المجاهد منذ 1956
- الإضــرابات: - إضراب الطلبة 19 ماي 1956 -إضراب 8 أيام بين 28 جانفي-4 فيفري 1957.
- المظاهـــــرات: - مظاهرات 11ديسمبر 1960.
- تشكيل منظمات جمــاهيرية مرتبطة بالثورة (الاتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 فيفـري 1956، الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في 13جويلية 1956).
انعقاد مؤتمر الصومام 20 أوت 1956 الذي نظم الثورة من جميع الجوانب ووسّع من نطاقها لتشمل كامل التراب الوطني، وذلك من خلال انشاء المؤسسات المسيرة للثورة وهي: المجلس الوطني للثورة(CNRA)، لجنة التنسيق والتنفيذ(CCE).
1- التنظيم الإقليمي العسكري:
مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956:
ـ طبيعة المؤتمر:
- أول إجتماع سياسي وعسكري للثورة الجزائرية ولجبهة التحرير الوطني، عُقد بقرية افري بوادي الصومام في الولاية الثالثة " القبائل" في 20 أوت 1956، ترأس أشغاله العربي بن مهيدي، مع بروز دور عبان رمضان.
ـ قرارات المؤتمر:
- انشاء تنظيمات سياسية للثورة: المجلس الوطني للثورة، لجنة التنسيق والتنفيذ.
- تأكــيد مبدأ القيادة الجمـــاعية للثــورة.
- أولوية العمل السياسي على العسكري.
- أولــــــــــويـة الـــــــداخل عـلى الخــــــارج.
- التأكيد على أسلوب حرب العصـــابات.
- التأكيد على دور الاعلام الثوري لمواجهة المناورات الفرنسية " اذاعة الجزائر، جريدة المجاهد 1956 ".
- العمل على تدويل القضية الجزائرية.
- استحداث ولاية سادسة " الصحراء".
- وضع تنظيمات والرتب للجيش.
ـ نتائج المؤتمر:
- صدور بيان سياسي شامل " ميثاق الصومام".
- توضيح مسار الثورة.
- تنظيم شؤون الثورة وشموليتها لكل انحاء الوطن.
- مكن الثورة من الاستمرار في تحقيق الانتصارات داخليا وخارجيا.
- مكنها من مواجهة المناورات الفرنسية.
- عالج النقائص التي عانت منها الثورة في عامها الأول.
الاستراتيجية العسكرية (مخططات الثورة):
- تقسيم الوطن الى 5 مناطق سنة 1954، ثم 6 ولايات سنة 1956.
- تنظيمات الجيش ورُتبهم، وانشاء قيادة الأركان 1959
- الاعتماد على حرب العصابات بتصغير وحدات الجيش وسرعة التنقل.
- نقل الثورة إلى المدن (العمل الفدائي).
ـ طبيعة الهجومات:
هجومات مسلحة نهاراً، قام بها جيش التحرير الوطني بمساندة الشعب، في منطقة الشمال القسنطيني بين 20 الى 27 أوت 1955 بقيادة زيغود يوسف، استهدفت المصالح العسكرية والاقتصادية الاستعمارية (الثكنات العسكرية، مراكز الشرطة والدرك، مصالح المعمرين)، نفذت خلالها 39 عملية عسكرية في 30 مدينة.
ـ ظروف قيام الهجومات:
- استشهاد قائد المنطقة الثانية ديدوش مراد في 18 جانفي 1955، واعتقال كلاّ من مصطفى بن بولعيد في 12 فيفري 1955، ورابح بيطاط في 23 مارس 1955.
- فرض فرنسا لحصار على منطقتي الأوراس والقبائل لخنق الثورة،
- تعيين جاك سوستال حاكما عاما، والذي مارس سياسة الاغراء " مشروع سوستال".
- اعلان حالة الطوارئ في الجزائر في 30 افريل 1955.
ـ أسباب وأهداف الهجومات:
- فك الحصار المضروب على منطقتي الأوراس والقبائل.
- تكذيب ادعاءات فرنسا بخصوص جيش التحرير الوطني والثورة.
- تأكيد حقيقة ما يحدث في الجزائر " ثورة شعبية تحررية".
- تشتيت جيش العدو، وتحطيم أسطورة الجيش الفرنسي الذي لا يُقهر.
- نقل الثورة من الأرياف الى المدن.
- تأكيد التحام الشعب بالثورة وبجبهة التحرير الوطني.
- دعم الوفد الناشط في الخارج في مساعيه لتدويل القضية الجزائرية.
- تأكيد التضامن مع الشعب المغربي الذي احي الذكرى الثانية لنفي السلطان محمد الخامس الى مدغشقر من طرف السلطات الفرنسية.
ـ نتائج الهجومات:
- فك الحصار على منطقتي الأوراس والقبائل.
- افشال سياسة سوستال.
- ازدياد تلاحم الشعب بالثورة.
- طرح القضية الجزائرية لأول مرة في هيئة الأمم المتحدة في سبتمبر1955.
- غيرت نظرة الفرنسيين للثوار " من الخارجين عن القانون وقطاع الطرق الى ثوار ".
- الخسائر البشرية " 123 من المعمرين، 1200 من الجزائريين ".
- تكثيف التواجد العسكري الفرنسي في الجزائر (400000 جندي مع نهاية 1955).
بـ ـ استراتيجية الثورة على المستوى الخارجي (دبلوماسية الثورة):
- السعي لتدويل القضية الجـزائرية (حضورها في المحافـــل الدولية: مؤتمر بـاندونغ أفريل 1955، هيئة الأمم المتحدة منذ 1955،
- إشــراك فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القـــدم والذي تأسس في 13 أفريل 1958) لكـسب التأييد الدولي.
- إنشاء فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا منذ 1954.
- تأسيس الحكومة المؤقتة في 19 سبتمبر 1958 بالقـاهـرة.
- نقـل الثـورة إلى داخل الأراضي الفرنسية (العمليات العسكرية منذ 1958، مظاهرات 17 أكتوبر 1961).
- القبول بمبدأ التفاوض مع فرنسا، وتشكيل الوفد المفاوض برئاسة كريم بلقاسم.
<><>
3ـ رد فعل واستراتيجيات فرنسا للقضاء على الثورة:
أ ـ في الجانب العسكري:
- تكثيف القوات العسكرية في الجزائر، والاستعانة بإمكانيات الحلف الأطلسي.
- غلق الحدود بإقـامة أسلاك مكهربة منذ 1956(خطي موريس وشال)، وزرع الألغام.
- إنشاء المكاتب الإدارية المختصة (SAS) في 29 سبتمبر 1955
- ممارسة القمع والتعذيب.
- القيام بعمليات عسكرية واسعة ومكثفة وفق مخطط الجنرال شال " منذ 1959".
- الاعتداء على بعض الدول المؤيدة للثورة (مصر في 1956، تونس في 8 فيفري 1958 ـ ساقية سيدي يوسف).
- إقامة المحتشـدات والمناطق المحرمة.
- تجنيد العملاء والخونة.
- إعلان حالة الطوارئ منذ 3 أفريل 1955.
بـ ـ في الجانب السياسي:
- اعتبار العمل الثـوري في الجـزائــر بالتمرد والخروج عن القانون، والإرهاب " عمل لصوص".
- استعمال المكاتب العربية.
- ربط العمل الثوري في الجزائر بتحريض الدول الخارجية (تونس ومصر).
- الإعلان عن عدة مشـاريع إغــرائية مثل: سلم الشجعان 23-10-1958، مشروع تقرير المصير 16-09-1959).
- محاولة منع تدويل القضية الجزائرية، واعتبارها قضية فرنسية داخلية.
- إعداد مشاريع لتقسيم الجزائر (مشروع هيرسان1957، فصل الصحراء 1961).
- السعي لإبعاد القادة عن الثورة (اختطاف طائرة الوفد الناشط وأسرهم في الخارج وهم: أيت احمد، خيضر، كريم، بوضياف، الأشرف يوم 22 أكتوبر 1956، اغتيال: بن بولعيد 1956، بن مهيدي 1957)
- خلق قوة ثالثة (جزائريين مواليين لفرنسا)، لتضليل الرأي العــام.
- تنظيم استفتاء حول دستور الجمهورية الخامسة في 28 جويلية 1958.
جـ ـ في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي:
اصدار مشاريع اغرائية:
- مشروع سوستال: في 15 فيفري 1955، نسبة إلى صاحبه جاك سوستال ذو الأصل اليهودي الذي عُين واليا عاما على الجزائر وقد تناول مشروعه عدة جوانب إصلاحية إدارية واقتصادية واجتماعية وثقافية، الهدف منه الوصول إلى دمج الجزائريين بفرنسا ولكن الشعب الجزائري رَدّ عليه بهجومات 20 أوت1955. كما أن الكولون أنفسهم رفضوا دمج الجزائريين، ففشل المشروع.
- مشروع قسنطينة: مشروع دعائي أعلنه الجنرال ديغول في 3 أكتوبر 1958 بقسنطينة ويتضمن بناء المنازل والمدارس، توزيع الأراضي على الجزائريين وتوظيفهم، إيجاد وظائف جديدة وهو في الحقيقة مشروع استعماري هدفه إفشال الثورة وإبعاد وفصل الشعب عنها وإقناعه بضرورة الاندماج مع فرنسا.
<><>
5ـ عدم جدوى المخططات الاستعمارية ونجاح الثورة:
- استمرار نجاحات الثورة السياسية والعسكرية، الداخلية والخارجية
- التفاف الشعب حول الثورة.
- فشل الدبلوماسية الفرنسية في منع تدويل القضية الجزائرية
- نقل الثورة الى داخل التراب الفرنسي.
- الاضطرابات السياسية في فرنسا "استمرار تعاقب الحكــومات الفرنسية بسبب فشلها في القضـاء على الثورة، محاولة الانقلاب ضد الجنرال ديغول في 22 أفريل 1961.
- رفض الشعب الجزائري لكل المشاريع الاغرائية الاستعمارية.
- رضوخ فرنسا للمفاوضات والاعتراف باستقلال الجزائر.
المفاوضات الجزائرية - الفرنسية ـ دوافع المفاوضات:
ـ مراحل المفاوضات: 1- مرحلة المفاوضات السرية (1956): و التي لم تجد نفعا لعدم جدية فرنسا ومناوراتها لإخماد الثورة، لتتوقف اثر اختطاف طائرة الوفد الخارجي . 2- مرحلة المفاوضات المعلنة (1960-1962): والتي تمثلت فيما يلي :
ـ اشتراط وقف اطلاق النار قبل التفاوض. ـ اقتراح تعدد أطراف المفاوضات " طاولة مستديرة" واقحام الحركات المناوئة للثورة و القوة الثالثة فيها، وعدم الاعتراف بجبهة التحرير الوطني كممثل وحيد وشرعي للشعب الجزائري، ـ محاولة فصل الصحراء عن شمال الجزائر. ـ محاولة تجزئة الجزائريين عرقيا... |
<><>
6ـ مفاهيم المصطلحات الخاصة بالوضعية:
- حرب التحرير: عمل نضالي عسكرية وسياسي شهدته الجزائر في الفترة الممتدة بين 1954 إلى غاية 1962 بهدف تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة.
- الثورة التحريرية: وهي فعل تحرري شامل ورد شعبي عنيف بهدف السيادة والاستقلال من خلال مجموع العمليات العسكرية والسياسية لجيش التحرير وجبهة التحرير.
- النشاط المسلح: هي مجموع العمليات العسكرية والفدائية التي قام بها الثوار الجزائريون داخل وخارج الجزائر في الفترة الممتدة بين 1954/1962 والتي انتهت بتحقيق الاستقلال
- المواثيق: أسـس ومبادئ متفـق عليها كميثاق الصومـام، ميثـاق طرابلس ميثاق الأمـم المتحدة.
- المكاتب العربية: جهاز إداري خاص أقامته فرنسا يهتم بشؤون الجزائريين ويهدف إلى ضرب الثورة.
- المحتشدات: مراكز مسيجة ومحروسة وهي إحدى الوسائل القمعية الرهيبة التي لجأت إليها فرنسا لخنق الثورة عن طريق عزل الشعب عنها وقد عمت أرجاء الوطن وضمت قرابة 3 مليون جزائري.
- مخطط شال: ( نسبة للجنرال شال) وهو عبارة عن إجراءات عسكرية شاملة تهدف للقضاء على الثورة من خلال تكثيف العمليات العسكرية وعزل وحدات الجيش ومنع تواصلها مع غلق الحدود تونسية والمغربية بخطين (كهرباء حراسة ألغام) لشلّ تحرك الثوار ووقف الدعم عنهم.
- القوة الثالثة: طبقة برجوازية عميلة في المجتمع الجزائري دعمتها فرنسا كبديل عن الثورة وجهازها السياسي جبهة التحرير الوطني. ولتغليط الرأي العام العالمي
- سلم الشجعان: هو عبارة عن مناورة سياسية وحرب نفسية أطلقها الجنرال ديغول يوم 23 – 10 – 1958 تقضي باستسلام الثوار وتسليم أسلحتهم مقابل ضمان حريتهم وسلامتهم وقد هدف الى افراغ الثورة من محتواها وإظهارها إلى العالم على أنها ثورة جياع وتمزيق صفها.
النص الكامل لبيان الفاتح نوفمبر 1954
باسم الله الرحمان الرحيم نداء إلى الشعب الجزائري
أيها الشعب الجزائري
أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية
أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا ـ نعني الشعب بصفة عامة، والمناضلون بصفة خاصة ـ نُعلمُكم أن غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضح لكُم الأسْباَبَ العَميقة التي دفعتنا إلى العمل، بأن نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطني في إطار الشمال الإفريقي، ورغبتنا أيضا هو أن نجنبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الإمبريالية وعملاؤها الإداريون وبعض محترفي السياسة الانتهازية.
فنحن نعتبر قبل كل شيء أن الحركة الوطنية ـ بعد مراحل من الكفاح ـ قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية. فإذا كان هدف أي حركة ثورية ـ في الواقع ـ هو خلق جميع الظروف الثورية للقيام بعملية تحريرية، فإننا نعتبر الشعب الجزائري في أوضاعه الداخلية متحدا حول قضية الاستقلال والعمل، أما في الأوضاع الخارجية فإن الانفراج الدولي مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانوية التي من بينها قضيتنا التي تجد سندها الديبلوماسي وخاصة من طرف إخواننا العرب والمسلمين.
إن أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد، فهي تمثل بعمق مراحل الكفاح التحرري في شمال إفريقيا. ومما يلاحظ في هذا الميدان أننا منذ مدة طويلة أول الداعين إلى الوحدة في العمل. هذه الوحدة التي لم يتح لها مع الأسف التحقيق أبدا بين الأقطار الثلاثة.
إن كل واحد منها اندفع اليوم في هذا السبيل، أما نحن الذين بقينا في مؤخرة الركب فإننا نتعرض إلى مصير من تجاوزته الأحداث، وهكذا فإن حركتنا الوطنية قد وجدت نفسها محطمة، نتيجة لسنوات طويلة من الجمود والروتين، توجيهها سيئ، محرومة من سند الرأي العام الضروري، قد تجاوزتها الأحداث، الأمر الذي جعل الاستعمار يطير فرحا ظنا منه أنه قد أحرز أضخم انتصاراته في كفاحه ضد الطليعة الجزائرية.
إن المرحلة خطيرة
أمام هذه الوضعية التي يخشى أن يصبح علاجها مستحيلا، رأت مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة، أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنية من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص والتأثيرات لدفعها إلى المعركة الحقيقية الثورية إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيين.
وبهذا الصدد، فإننا نوضح بأننا مستقلون عن الطرفين اللذين يتنازعان السلطة، إن حركتنا قد وضعت المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية الأشخاص والسمعة، ولذلك فهي موجهة فقط ضد الاستعمار الذي هو العدو الوحيد الأعمى، الذي رفض أمام وسائل الكفاح السلمية أن يمنح أدنى حرية.
و نظن أن هذه أسباب كافية لجعل حركتنا التجديدية تظهر تحت اسم : جبهة التحرير الوطني.
و هكذا نستخلص من جميع التنازلات المحتملة، ونتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية، وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية أن تنضم إلى الكفاح التحرري دون أدنى اعتبار آخر.
ولكي نبين بوضوح هدفنا فإننا نسطر فيما يلي الخطوط العريضة لبرنامجنا السياسي.
الهدف:الاستقلال الوطني بواسطة:
- إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
- احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.
الأهداف الداخلية:
- التطهير السياسي بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي والقضاء على جميع مخلفات الفساد وروح الإصلاح التي كانت عاملا هاما في تخلفنا الحالي.
- تجميع وتنظيم جميع الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري لتصفية النظام الاستعماري.
الأهداف الخارجية:
- تدويل القضية الجزائرية.
- تحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي.
- في إطار ميثاق الأمم المتحدة نؤكد عطفنا الفعال تجاه جميع الأمم التي تساند قضيتنا التحريرية.
وسائل الكفاح:
انسجاما مع المبادئ الثورية، واعتبارا للأوضاع الداخلية والخارجية، فإننا سنواصل الكفاح بجميع الوسائل حتى تحقيق هدفنا.
إن جبهة التحرير الوطني، لكي تحقق هدفها يجب عليها أن تنجز مهمتين أساسيتين في وقت واحد وهما: العمل الداخلي سواء في الميدان السياسي أو في ميدان العمل المحض، والعمل في الخارج لجعل القضية الجزائرية حقيقة واقعة في العالم كله، وذلك بمساندة كل حلفائنا الطبيعيين.
إن هذه مهمة شاقة ثقيلة العبء، وتتطلب كل القوى وتعبئة كل الموارد الوطنية، وحقيقة إن الكفاح سيكون طويلا ولكن النصر محقق.
وفي الأخير، وتحاشيا للتأويلات الخاطئة وللتدليل على رغبتنا الحقيقة في السلم، وتحديدا للخسائر البشرية وإراقة الدماء، فقد أعددنا للسلطات الفرنسية وثيقة مشرفة للمناقشة، إذا كانت هذه السلطات تحدوها النية الطيبة، وتعترف نهائيا للشعوب التي تستعمرها بحقها في تقرير مصيرها بنفسها.
- الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية، ملغية بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضا فرنسية رغم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري.
- فتح مفاوضات مع الممثلين المفوضين من طرف الشعب الجزائري على أسس الاعتراف بالسيادة الجزائرية وحدة لا تتجزأ.
- خلق جو من الثقة وذلك بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ورفع الإجراءات الخاصة وإيقاف كل مطاردة ضد القوات المكافحة.
- فإن المصالح الفرنسية، ثقافية كانت أو اقتصادية والمحصل عليها بنزاهة، ستحترم وكذلك الأمر بالنسبة للأشخاص والعائلات.
- جميع الفرنسيين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر يكون لهم الاختيار بين جنسيتهم الأصلية ويعتبرون بذلك كأجانب تجاه القوانين السارية أو يختارون الجنسية الجزائرية وفي هذه الحالة يعتبرون كجزائريين بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
- تحدد الروابط بين فرنسا والجزائر وتكون موضوع اتفاق بين القوتين الاثنتين على أساس المساواة والاحترام المتبادل.
أيها الجزائري
إننا ندعوك لتبارك هذه الوثيقة، وواجبك هو أن تنضم لإنقاذ بلدنا والعمل على أن نسترجع له حريته، إن جبهة التحرير الوطني هي جبهتك، وانتصارها هو انتصارك. أما نحن، العازمون على مواصلة الكفاح، الواثقون من مشاعرك المناهضة للإمبريالية، فإننا نقدم للوطن أنفس ما نملك.
أول نوفمبر 1954
الأمانة الوطنية


إرسال تعليق